ابراهيم بن عمر البقاعي
494
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ابن قنز ، وعاد بنو إسرائيل في سوء أعمالهم أمام الرب ، فقوى الرب عليهم ملك موآب ، واستمروا هكذا في كل حين ينقضون ، وسنة الرب كل قليل يرفضون ، ولا يستقيمون إلا بقدر ما ينسون حرارة النقم ويذوقون لذاذة النعم - ولولا خوف الإطالة الموجبة للسآمة والملالة لذكرت من ذلك كثيرا من الكتب التي بين أيديهم ، لا يقدرون على إنكار ما يلزمهم بها من الفضيحة والعار - واللّه الموفق . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 61 إلى 63 ] وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ( 61 ) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 ) لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 63 ) ولما تم ذلك عطف سبحانه على وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ قوله دالا على استحقاقهم للعن وعلى ما أخبر به من شرهم وضلالهم بما فضحهم به من سوء أعمالهم دلالة على صحة دين الإسلام باطلاع شارعه عليه أفضل الصلاة والسّلام على خفايا الأسرار : وَإِذا جاؤُكُمْ أي أيها المؤمنون ! هؤلاء المنافقون من الفريقين ، وإعادة ضمير الفريقين عليهم لأنهم في الحقيقة منهم ، ما أفادتهم دعوى الإيمان شيئا عند اللّه ، والعدول إلى خطاب المؤمنين دال على عطفه على ما ذكرت ، وفيه إشارة إلى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعرفهم في لحن القول ، فلا يغتر بخداعهم ولا يسكن إلى مكرهم بما أعطى من صدق الفراسة وصحة التوسم قالُوا آمَنَّا أي لا تغتروا بمجرد قولهم الحسن الخالي عن البيان بما يناسبه من الأفعال فكيف بالمقترن بما ينفيه منها ، وقد علم أن الفصل بين المتعاطفين بالآيتين السالفتين لا يضر ، لكونهما علة للمعطوف عليه ، فهما كالجزء منه . ولما ادعوا الإيمان كذّبهم سبحانه في دعواهم بقوله مقربا لماضيهم من الحال رجاء لهم غير الدخول ، لأنها تكاد تظهر ما هم مخفوه ، فوجب التوقع للتصريح بها : وَقَدْ أي قالوا ذلك والحال أنهم قد دَخَلُوا أي إليكم بِالْكُفْرِ مصاحبين له متلبسين به . ولما كان المقام يقتضي لهم بعد الدخول حسن الحال ، لما يرون من سمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الجليل وكلامه العذب ودينه العدل وهديه الحسن ، فلم يتأثروا لما عندهم من الحسد الموجب للعناد ، أخبر عن ذلك بأبلغ من الجملة التي أخبرت بكفرهم تأكيدا للأخبار عن ثباتهم على الكفر ، لأنه أمر ينكره العاقل فقال : وَهُمْ أي من عند أنفسهم لسوء ضمائرهم وجبلاتهم من غير سبب من أحد منكم ، لا منك ولا من أتباعك